المحقق البحراني
279
الكشكول
اللّه عزّ وجلّ خلق الجن والإنس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه وذلك قوله عزّ وجلّ : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فيسر كلا لما خلق له ، فالويل لمن استحب العمى على الهدى . وهذا الحديث الشريف يكشف عن فرد واحد من أفراد هذه المقالة ، ولكن الظاهر أن حكم ما عداه حكمه لاتحاد الطريق . ( وخامسها ) ما خطر بالبال ولكن أخذا من كلام الطاهرين عليهم السّلام وحاصله : إنك قد تحققت من الأنوار السابقة أن خلق الأرواح قد كان قبل خلق عالم الذر وقد أجّج سبحانه نارا وكلف تلك الأرواح بالدخول فمنهم من بادر إلى الامتثال ومنهم من تأخر عنه ولم يأت به فمن هناك جاء الإيمان والكفر ولكن بالاختيار ، فلما أراد اللّه سبحانه أن يخلق لتلك الأرواح أبدانا تتعلق بها جعل لكل نوع من الأرواح نوعا مناسبا له من الأبدان ، كأن جعل للأرواح الطيبة أبدانا مثلها وكذلك للأرواح الخبيثة أبدانا مثلها فيكون ما صنع سبحانه بها جزاء لذلك التكليف السابق . نعم لما مزج الطينتين أثر ذلك المزج في فعل الأعمال الحسنة وضدها . فإن قلت : إذا كان الحال على هذا المنوال فلأي شيء قال الصادق عليه السّلام لأبي إسحاق الليثي : « لا تطلع على سرنا أحدا إلا مؤمنا وإن أطلعت غيره على هذا ابتليت في نفسك ومالك وأهلك » وما معنى هذه التقية ومن أي فريق تكون ؟ قلت : يجوز أن تكون هذه التقية من المخالفين فإنهم إذا فهموا هذا العلم علموا من القرائن أن ليس المراد بأهل الشمال المذكورين في الخبر الأهم ومثل هذا مما يتقي فيه قطعا ، ويجوز أن تكون تقية أو اتقاء على الشيعة وإن عوامهم إذا سمعوا بمثل هذا أقبلوا على الإتيان بأنواع المحارم والذنوب ، فيكونون قد أتوا ذنوبا تزيد على ما يقتضيه مزج الطينتين لأنك قد تحققت أن اللمم - وهي الصغائر القليلة - قد يفعله المؤمنون بمقتضى مادته وطبعه وأما الكبائر كالزنا واللواط ونحو ذلك فهذا إنما يفعلها بمقتضى ما وصل إليه من خلط الطينات ، فإذا اطلع على مثل هذا الحديث تعمد أفعال الكبائر لحصول اللذة الدنيوية ولعلمه بأن وبالها الأخروي إنما هو على غيره فقد أتى بفعل من مادته وطبيعته وزاد على ما أتى إليه من حديث المزج لأن معاصي المزج هي المعاصي المتعارفة الوقوع في كل الأعصار بمقتضى الدواعي ، وأما إذا كان الداعي ما عرفت من أنها ذنوب على الغير وإن فعلها هو فلا يكون مثلها من المعاصي المتعارفة فيكون إنما أتى بها منه ومن مادته لا من قضية المزج - فتأمل وتفكر في هذا المقام وقد بقي هاهنا أبحاث شريفة وشّحنا بها شرحنا على الصحيفة . كتب الإسكندر : إلى أرسطاطاليس : عظني فكتب إليه : إذا صفت لك